أبي حيان التوحيدي
121
المقابسات
وكذلك النحو الذي قصد به الماهر فتق المعاني ، وصحة الألفاظ ، وتوخى الإعراب ، واعتياد الصواب ، ومجانبة اللحن ، على حدود ما في غرائز العرب وطبائعها وسلائقها . وكذلك الفقه الذي قصد به صاحبه إصابة الحكم ، واقتضاب الفتيا ، وإيجاب الحق ، ورفع الخلاف ، وإقماع الخصم ، وحسم مواد التنازع ، ورد أهله إلى الرضى والتسليم . وكذلك الشعر الذي منتهاه قائم في نفس صاحبه ، ثابت في قريحته ، يجيش به صدره ، ويجود به طبعه ، ويصح عليه ذوقه ؛ من مدح مأمول ، وترقيق غزل ، وهجو مسئ ، واستنزال كريم ، وتوشية لفظ ، وتحلية وزن ، وتقريب مراد ، وإحضار خدعة ، واستمالة غرير ، وضرب مثل ، واختراع معنى ، وانتزاع تشبيه ؛ مع تصرف في الأعاريض بيّن ، وقيام بالقوافى ظاهر وكذلك الحساب الذي نفعه ظاهر ، ومحصوله حاضر ، وفائدته عامة ، ونتيجته منجذبة ، وثمرته دانية ، وغبه محمود ، وجدواه موجوده ؛ به صحت المعاملة ، وقامت الدولة ، وحرس الملك ، وجبى المال ، وأمن الغبن ، وقام الديوان ، وقوى السلطان ، وقرت الرعية ، واستفاضت السيرة ، واستمرت القضية ؛ هذا إلى أسرار فيه عجيبة ، وغوامض ترجع إليه شريفة ، وخواص لا توجد لغيره غريبة . وكذلك البلاغة التي قد علم صاحبها وطالبها ما ينتهى إليه ، ويقف عليه ، من تنميق لفظ ، وتزويق غرض ، وتغطية مكشوف ، وتعمية معروف ، وإحضار بينة ، وإظهار بصيرة ، واختصار آت ، وتقليق بات ، وتأليف شارد ، وتسكين مارد ، وهداية متحير ، وإرشاد متسكع ، وإقامة حجة ، وإرادة برهان ، واستعادة مزيد ، وتلطيف قول في عتب ، وتسهيل طريق في إعتاب ، وتهنئة مسرور ، وتسلية محزون ، وتلهية عاشق ، وتزهيد